محمد جواد مغنية
409
في ظلال نهج البلاغة
أي مندفعا وراء أهوائه لا يردعه عنها دين ولا عقل ( كادحا سعيا لدنياه في لذات طربه وبدوات أربه ) يجدّ ويكدح في ليله ونهاره للحصول على الأرباح وتكديس الثروات ولو على حساب الضعفاء والمعذبين . ( ثم لا يحتسب رزية ) لا يفكر في المصير وسوء العاقبة ( ولا يخشع تقية ) لا يخشع قلبه لموعظة ، ولا يتقي اللَّه في شيء ( فمات في فتنته غريرا ، وعاش في هفواته يسيرا ) . عاش في الدنيا أياما قصارا أمضاها في اللهو والملذات مغترا بها ، مطمئنا إليها حتى اختطفه الموت ، وهو على أسوأ حال ( دهمته فجعات المنية في غير جماحه ، وسنن مراحه ) . رأى دلائل الموت بغتة ، وهو غارق في شهواته وأفراحه ( فظل سادرا ) أي حائرا ، لا يدري ما ذا يصنع وكيف يتلافى ما فرط وقصر . ( وبات ساهرا - إلى - سوقة متعبة ) . يصف الإمام ( ع ) بهذه الكلمات المرء ، وهو على فراش الموت حيث تتراكم عليه الأسقام والأوجاع ، والخوف والأحزان ، واللهثات والأنّات ، واليأس والمرارة . . إلى بكاء وعويل ، ولدم ونجيب من الأهل والأصحاب الذين لا يملكون له نفعا ولا ضرا . . والغريب انهم يتوجعون له ويتفجعون ، ومع هذا لا يعتبرون ويتعظون . ( ثم أدرج في أكفانه مبلسا ) ساكتا ( وجذب منقادا سلسا ) لا يدافع ولا يمانع ( ثم ألقي على الأعواد رجيع وصب ، ونضو سقم ) أي وضع في النعش بعد أن لاقى الكثير الكثير من التعب والمرض ( تحمله حفدة الولدان ) . والحفدة هنا جمع حافد ، ويطلق على الخادم والناصر والتابع ، والمعنى ان الذين يحملون الجنازة هم أعوان أولاد الميت ( وحشدة الاخوان ) الذين تجمعوا من هنا وهناك للتشيع ( إلى دار غربته ، ومنقطع زورته ، ومفرد وحشته ) أسلموه إلى لحده وحيدا فريدا ، وغريبا تريبا . ( حتى إذا انصرف - إلى - الامتحان ) . بعد أن يوضع في قبره ، ويهال عليه التراب تنقطع بينه وبين أهل الدنيا كل علاقة ، ويعود من شيع الجنازة إلى شأنه ، ويهدأ من تفجع وتوجع ، وينسى مع الأيام ، أما حساب الميت في قبره فقد ثبت بالنقل المتواتر من طريق الشيعة والسنة ، وأنكره بعض علماء الكلام ، ومما استدل به المثبتون قوله تعالى : * ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ ) *